فوائد وتجارب علماء الرقية الشرعية في علاجات بعض الاشخاص

فوائد وتجارب علماء الرقية الشرعية في علاجات بعض الاشخاص

في هذا الدرب لا بدّ من توافر شروطٍ في المعالِج الراقي، وفي المرقيّ عليه — أي الشخص المصاب.

فبالنسبة للشيخ الراقي أو المعالج، هناك شروطٌ واجب توافرها فيه؛ فهو يحارب بسيفٍ من نور يصعق قوى الشر والظلام. فمن يقرأ الرقية الشرعية يستخدم أسلحة إلهية قوية، والسلاح بضاربه كما يقول ابن القيم رحمه الله.

وحتى تكون النتيجة طيبة بإذن الله تعالى، ينبغي أن تتوفر في الراقي أمورٌ مهمة، نذكر أهمها فيما يلي.

⚠️ تنبيه: ما ورد في هذا المقال اجتهادٌ في التطبيق، وليس نصًّا شرعيًّا يُقطع به. اجمع بين الرقية والأخذ بالطب، ولا تجعل شيئًا من هذا بديلًا عن رأي المعالج المختص.

أولاً: حُسن الظنّ واعتقاد أن النفع والضرّ بيد الله

حُسن الظنّ: وذلك لضمان أن يلتزم ممارس الرقية بعقيدة سلف هذه الأمة الصالح، وأن يكون حذرًا شديدًا من الوقوع في مسائل الشرك أو البدعة؛ إذ إنّ بعض الرقى تُحاكي بعض العرّافين في أفعالها.

ومن جملة شروط حسن الظنّ أن قارئ الرقية — وغيره — يعلم أن النفع والضرّ لا يكونان إلا بيده سبحانه وتعالى؛ وأنه لا مُعطيَ للخير إلا الله، ولا مُضرَّ إلا الله.

قال الله تعالى:

﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾[يونس: 107]

وقال تعالى:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[المائدة: 23]

ثانياً: الإخلاص في النية وحسن القصد

الإخلاص في النية لله سبحانه وتعالى وحسن القصد: وذلك لأن النية لها أثرها في القراءة بإذن الله سبحانه وتعالى، وخاصة إذا ثبّتها في ذهنه طوال العلاج؛ فلا ينبغي أن يلتفت إلى مالٍ أو عائد نفعٍ ولا إلى أيّ تكريم، بل تكون نيته أن يكون ذلك لوجه مرضاة الله عز وجل، وليجعل نصب عينيه طلبَ أجر الله وجزاءه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«مَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربةً فرَّجَ اللهُ عنه كُربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ»

وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم:

«إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً»

رواه البخاري في كتاب المغازي، باب حجة الوداع (4057)، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث (3076).

إذا فالنّية أجرها عظيم جدًّا؛ فعلى الراقي المعالج أن يستحضرها في قلبه.

ثالثاً: ميثاق الطاعة ومجاهدة النفس

القراءة ليست مجرد ترديدٍ للحروف، بل هي صلة روحية تُبنى على جدارٍ من التقوى. والقاعدة هنا بسيطة لكنها عميقة: كلما اقتربت من الله بقلبك فاض أثر القرآن على روحك، وكلما ابتعدت جفّت منابع التأثر. الأمر أشبه بالمرآة؛ فبقدر نقائك يظهر النور.

وعلى النقيض تمامًا، تفتح المعاصي ثغراتٍ في حصن النفس، مما يمنح الشياطين فرصةً للتسلّط والسيطرة. لذا لا يكفي أن تقرأ بلسانك، بل يجب أن تعيش ما تقرأ؛ كن كالقرآن يمشي على الأرض: حافظ على صلاتك في جماعة، واجعل الصدق رفيقك، والأمانة شعارك، والصبر زادك.

فالقدوة تبدأ من الداخل. ومن مقتضيات هذا السلوك النبيل أن يبتعد القارئ عن مواطن الشبهات ومداخل الحرام؛ فلا يفتح على نفسه باب الفتنة بادّعاء القراءة لغرض الخلوة بامرأةٍ أجنبية، فالمقصد السامي لا يُنال أبدًا بوسيلةٍ مشبوهة.

«لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ»

وقد يظنّ بعض القراء أن مهمّتهم تقتصر على بدء القراءة مباشرة حين يأتيهم المريض، وكأن النص هو كل ما يجب فعله، لكن الواقع أعمق من ذلك؛ فقد يلاحظ القارئ على المريض علاماتٍ واضحة للذنب، أو يعرف من حاله أنه لم يعد محافظًا على ما يجب عليه، وهنا لا يصح أن يسكت أو يتجاوز النصيحة، فهذا تعدٍّ على المسؤولية.

فالدعوة إلى الله تعالى لا تقوم على القراءة فقط، بل تشمل الهداية والنصح والإصلاح. وكثير من المرضى قد يكون ابتلاؤهم نتيجة بعدٍ عن الله، ولا سيما في حالات تسلّط الجان أو ما يشبه ذلك من البلاء الخفي؛ لذلك ينبغي للقارئ أن يجمع بين القراءة والدعوة، وبين الرقية والتذكير.

أنصحه هو وأهله، وذكّرهم بالله؛ دعهم إلى تقوى الله، والمحافظة على الصلاة في وقتها، وكثرة الذكر والدعاء، وملازمة التوبة، والبعد عن المعاصي كلها. وذكّرهم أيضًا بأن الصبر على أقدار الله علامة إيمان، وأن العبد كلما عاد إلى ربه وجد من الفرج والطمأنينة ما يشفي القلب قبل الجسد.

يقول ابن القيم رحمه الله: «وأكثر تسلّط هذه الأرواح على أهله من جهة قلّة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذكر والتعاويذ والتحصّنات النبوية والإيمانية».

وقال تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾[فصلت: 33]

رابعاً: معرفة أحوال الجن وعدم الخوف منهم

معرفة حقيقة الجن وأحوالهم تُعين المؤمن على الثبات، فلا يخافهم في أنفسهم، ولا تهزّه تهديداتهم. وقد بيّن الله تعالى أن بعض الناس كانوا يستعيذون برجالٍ من الجن، فكان ذلك يزيدهم خوفًا وضعفًا.

قال الله تعالى:

﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾[الجن: 6]

والأمر نفسه ينطبق على الشيطان؛ فمهما بالغ في التخويف، ومهما زيّن للناس ضعفهم أمام كيده، فإن كيده هشٌّ محدود.

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[النساء: 76]

ويقول ابن القيم رحمه الله: «ومما ينبغي أن يعلمه الراقي والمرقي عليه أن كيد الشيطان ضعيف، وأنه رغم ما أوتي الجن من قوةٍ غير عادية في كثير من الجوانب إلا أنهم أحيانًا يبدون ضعافًا».

ولا يكفي أن يعرف الإنسان ضعف الشيطان، بل عليه أيضًا أن يحذر كذب الجن وتلبيسهم؛ فهم لا يؤمن جانبهم في كل خبر، ولا تُقبل روايتهم على علّاتها. وقد صدّق النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة رضي الله عنه في خبرٍ جاء به، مع تنبيهه إلى أصل حاله، فقال له: «صدقتَ وهو كذوبٌ».

من آداب الراقي: الستر وزرع الأمل

لا يجوز للراقي أن يكشف عورة المريض، ولا أن يذكر اسمه أمام الناس؛ فالنفوس تأبى أن تنكشف أسرارها، وقد يجرح الإفصاح صاحبه أكثر مما يجرحه المرض نفسه. ولهذا كان ستر المسلم واجبًا.

«وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

وعلى الراقي كذلك أن يزرع الأمل في قلب المريض، وأن يخفّف عنه لا أن يملأ صدره فزعًا؛ فكم من شخصٍ انهزمت نفسه حين صُوّر له المرض على أنه أكبر من قدرته، وكم من مريضٍ شُفي بإذن الله لأنه ثبَت وصبر وقوي يقينه.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ»

انحرافات شائعة في طريق علاج المرضى

غير أن الطريق إلى علاج المرضى قد تشوبه انحرافات كثيرة، ومن أبرزها:

  • الاستعانة بالجن والشياطين: فمن المعالجين من يلجأ إلى الجن طلبًا للشفاء، وهؤلاء يدخلون في باب السحرة والكهنة والعرّافين، وهم من أشرّ الناس عند الله.
  • الرقى التي لا أصل لها: كاستخدام الطلاسم والهمهمات والكلمات المبهمة التي لا يُفهم معناها.
  • الاجتهاد بلا علم: ممارسة العلاج من دون علمٍ راسخ أو دراسةٍ صحيحة تؤهّل لهذه المهمة، فتختلط النية الحسنة بالجهل، وقد يقع الضرر حيث كان المطلوب كشفه.
  • التجارة بالعلاج: تقديم علاجٍ وهميّ وإيهام المريض بما ليس عند المعالج، وكلّ همّه الحصول على الأموال ولو كان ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
  • صناعة الأحجبة والتمائم: كتابة حجبٍ للمرضى يعلّقونها على أجسادهم أو يضعونها في مواضع محددة، ظنًّا أن ذلك من العلاج، من غير دليلٍ معتبر.
  • التقليد الأعمى: نقل أفعالٍ وألفاظٍ عن الشيوخ من غير تمحيصٍ ولا تثبّت، ثم الوقوع بسبب ذلك في أخطاءٍ شرعية لا يدري أنها محرّمة.

قال الله تعالى:

﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾[البقرة: 102]

وحتى من التزم بالرقية الشرعية قد يزِلّ؛ فيمسّ المرأة من غير حاجة، أو يكشف جزءًا من جسدها، أو يطلب منها كشف وجهها، أو يأتي بأذكارٍ وأورادٍ لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الطريق الصحيح في علاج المرضى بالرقية الشرعية

أما الطريق الصحيح فهو علاج المرضى بالرقية الشرعية من الكتاب والسنة، مع الالتزام بآداب الشريعة وحدودها: أن يبتغي الراقي وجه الله وحده، فيتمسك بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويتصف بالإخلاص والتقوى والصدق والحياء والتوكل.

ويحتاج الأمر كذلك إلى الرفق والأمانة والرحمة والشفقة، وبذل الجهد في كشف الضر وتخفيف الألم، بعد الاستعانة بالله سبحانه والتوكل عليه ودعائه وحده.

مداخل الشيطان: الوسوسة بالذهاب إلى السحرة

ولفهم مداخل الشيطان وتلبيساته: فقد يوسوس الشيطان للإنسان المبتلى بالسحر، فيدفعه دفعًا إلى الذهاب للسحرة والمشعوذين طلبًا لفكّ السحر أو إزالته. وهذا لا يجوز؛ فالطريق إلى العلاج لا يكون بمعصية الله، ولا باللجوء إلى من يدّعون علم الغيب.

وقد جاء الشرع المطهّر بكل سببٍ يجلب الخير، ويزيل الشر، ويفتح باب الأمل دون الوقوع في الحرام. وإذا كان الذهاب إلى السحرة لإبطال السحر ممنوعًا، فالسؤال المهم: ما البدائل المشروعة التي تُعين المسلم على الخلاص من هذا البلاء؟

أولاً: التوجه إلى الله بقلبٍ صادق

يدعو ربه بإخلاص، ويُلحّ عليه في الدعاء، ويسأله أن يريه موضع السحر إن كان في ذلك خيرٌ له؛ كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سُحر أنه سأل ربه في ذلك فدلّه عليه، فاستخرجه من بئر، فكان في مشطٍ ومُشاطة، وجُفّ طلعة ذكر، فلما استخرجه ذهب ما به حتى كأنما نشط من عقال.

رواه البخاري في كتاب الطب، باب السحر (5321)، ومسلم في كتاب السلام، باب السحر (4059).

لكن هنا نقطة دقيقة: فالنبي صلى الله عليه وسلم دُلّ على موضع السحر بوحيٍ من الله، وليس كل إنسانٍ يُفتح له هذا الطريق.

فماذا يفعل المصاب إذا أراد أن يعرف مكان السحر من غير أن ينزلق إلى السحرة؟ يلجأ إلى ربه؛ يكثر من الدعاء، ويصدُق في الطلب، ويسأل الله بمنّه وكرمه أن يريه الأمر في المنام إن كان في ذلك مصلحة. فقد يُريه الله موضع السحر في الرؤيا، فينتبه إلى مكانه، ثم يتعامل مع الأمر بما هو مشروع من رقيةٍ ودعاءٍ وعلاجٍ بالقرآن، بعيدًا عن الشعوذة والدجل.

وقد يقدّر الله للمصاب أن يهتدي إلى السحر بعينه؛ فيراه أثناء البحث والتفتيش، فينكشف له مكانه بوضوح.

وقد يأتي الكشف من طريق آخر، وهو الجن؛ فإذا كان الجن متلبّسًا بالمسحور وقُرئ عليه، فقد ينطق الجنّ على لسانه ويخبر عن موضع السحر. وقد يحدث أثناء ذلك استفراغٌ أو قيء، وهو أمرٌ ذُكر في كلام أهل العلم.

وفي موقعنا توجد أبواب متعددة للعلاج، يمكنك فيها قراءة الرقية الشرعية أو الاستماع إليها، بما يساعد على العلاج بالأسباب المباحة، مع التوكل على الله وحده.

ثانياً: الاستفراغ والحجامة

قال ابن القيم رحمه الله:

«القيء أحد الاستفراغات الخمس التي هي أصول الاستفراغ، وهي: الإسهال، والقيء، وإخراج الدم، وخروج الأبخرة، والعرق».

فإذا ظهر أثر المادة الرديئة في عضوٍ من الأعضاء، وأمكن إخراجها من ذلك الموضع، كان في ذلك نفعٌ كبير. ومن هذا الباب تأتي الحجامة؛ فإذا ظهر الداء في موضعٍ يمكن إخراج مادته منه، رُجي نفع الحجامة عندئذ.

أما الحجامة في اللغة، فتأتي من «الحجم» وهو البدء؛ لأن اللحم ينتبر، أي يرتفع. والحجّام هو المصّاص. وقال الأزهري: سُمّي الحاجم حجّامًا لأنه يمتص فم المحجمة.

وفي شأن أثر الحجامة في السحر، ذكر أبو عبيد في كتابه «غريب الحديث» بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:

«أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على رأسه بقرنٍ حين طُبّ».

وقال ابن القيم رحمه الله:

«وكان استعمال الحجامة إذ ذاك من أبلغ الأدوية وأنفع المعالجة فاحتجم، وكان ذلك قبل أن يوحى إليه أن ذلك من السحر، فلما جاءه الوحي من الله تعالى وأخبره أنه قد سُحر، عدل إلى العلاج الحقيقي، وهو استخراج السحر وإبطاله، فسأل الله سبحانه فدله على مكانه، فاستخرجه فقام كأنما نشط من عقال».

وأما أفضل وقت للحجامة، فقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«مَن احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وتِسْعَ عَشْرَة، وإِحْدَى وعِشْرِينَ، كان شِفاءً مِن كل داء».

خاتمة

هذا ما تيسّر جمعه من فوائد وتجارب أهل الرقية الشرعية في علاج بعض الحالات، ومنه يُعلم أن مدار الأمر على الإخلاص والتقوى والعلم والرفق، مع اليقين بأن النفع والضرّ بيد الله وحده. وهذا وبالله التوفيق.